حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
244
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا محمد أترى اللّه يحيي هذا بعد ما قد رم ؟ فنزلت . ثم أردف تكوين الإنسان بتكوين الحيوانات التي ينتفع بها الإنسان في ضروراته من الأكل والركوب وجر الأثقال وفي غير الضروريات من الأغراض الصحيحة كالتزيين والجمال فقال : وَالْأَنْعامَ خَلَقَها هي الأزواج الثمانية المذكورة في سورة الأنعام وهي : الضأن والمعز والإبل والبقر . وإن شئت قلت : الإبل والبقر والغنم . قال في الكشاف : وأكثر ما يقع هذا اللفظ على الإبل . قلت : ويمكن أن يستدل على ذلك بقوله بعد ذلك : وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ لأن هذا الوصف لا يليق إلا بالإبل . وانتصابها بمضمر يفسره الظاهر . ويجوز أن يكون معطوفا على الْإِنْسانَ أي خلق الإنسان والأنعام . ثم قال : خَلَقَها لَكُمْ أي ما خلقها إلا لكم ولمصالحكم يا جنس الإنسان . قال صاحب النظم : وأحسن الوجهين أن يكون الوقف عند قوله : خَلَقَها بدليل أنه عطف عليه قوله : وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ والدفء اسم ما يدفأ به كالملء اسم ما يملأ به وهو الدفاء من لباس معمول من صوف أو وبر أو شعر . قال الجوهري : الدفء نتاج الإبل وألبانها وما ينتفع به منها ، والدفء أيضا السخونة . وقوله : وَمَنافِعُ قالوا : المراد نسلها ودرّها ، والمنافع بالحقيقة أعم من ذلك فقد ينتفع بها في البيع والشراء بالنقود والأثواب وبسائر الحاجات . أما قوله : وَمِنْها تَأْكُلُونَ بتقديم الظرف المؤذن بالاختصاص فلأن الأكل منها هو الأصل الذي يعتمده الناس في مآكلهم عادة ، وأما الأكل من غيرها كالدجاج وصيد البر والبحر فكغير المعتد به الجاري مجرى التفكه ، ويحتمل أن يراد أن غالب أطعمتكم إنما يحصل منها لأنكم تحرثون بالبقر وتكتسبون بإكراء الإبل وتشترون بنتاجها وألبانها وجلودها جميع ما تشتهون من الأطعمة . قوله : حِينَ تُرِيحُونَ الإراحة رد الإبل إلى مراحها حيث تأوي إليه ليلا ويقال : سرح القوم إبلهم سرحا إذا أخرجوها بالغداة إلى المرعى . وقدم الإراحة لأن الجمال فيها أظهر حين تقبل ملأى البطون حافلة الضروع ثم تأوي إلى الحظائر حاضرة لأهلها . قوله : بِشِقِّ الْأَنْفُسِ من قرأ بفتح الشين فمعناه المشقة فيكون مصدر شق الأمر عليه شقا وحقيقته راجعة إلى الشق الذي هو الصدع ، ومن قرأ بالكسر فمعناه النصف كأنه يذهب نصف قوته لما يناله من الجهد . قال جار اللّه : معنى المضي في قوله : لَمْ تَكُونُوا راجع إلى الفرض والتقدير : أي لو لم يخلق الإبل لم تكونوا إلا كذلك . وإنما لم يقل « لم تكونوا حامليها إلى ذلك البلد » ليطابق قوله : وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ لأجل المبالغة كأنه قيل : قد علمتم أنكم لا تبلغونه بأنفسكم إلا بجهد ومشقة وذهاب قوة فضلا أن تحملوا على ظهوركم أثقالكم ويجوز أن يكون العائد إلى الأثقال محذوفا أي لم تكونوا